المشاركات

الصمت: حصن النسيان وقوة التجاهل

  ​الصمت... هو ذلك الشيء الذي كنا نظنه ضعفاً أو قلة حيلة. فهل هو حبس للماضي بين متاهات الذاكرة؟ أم هو مكابرة على كلمات ربما عندما تُحكى تفتح أبواباً لطالما حاولنا إغلاقها؟ ​ربما الصمت هو العلاج لكل ما ذُكر. فعند الحديث، تجوب الكلمات مواقف قد مرّت، ولا يمل العقل من ربطها ببعض، فترى الموقف تلو الموقف، وكأنك تمسك بثوب خُيّط بصعوبة، ولا تلبث أن تنزع تلك العُرى واحدة تلو الأخرى بحديثك عن سبب خياطتها. ​ودون أن تشعر، يذهب الخياط ويُفتح الجرح من جديد وكأنه حصل الآن، فلا أنت تستطيع خياطته مرة أخرى، ولا هو يتوقف عن الأنين. فما أبشعها من فكرة وما أوسعها من نصيحة: "فضفض عن نفسك وتكلم!" فيسمع السامع ويمضي، ويعود المتحدث لخياطة وجروحه... ​فدعوا المجروح ينسى، ولا يتيسر النسيان إلا بالصمت والتجاهل . فذكر الشيء يزيد التركيز [عليه]. ​إن الصمت هنا ليس هروباً، بل هو إعلان الهدنة مع الجرح . إنه الإدراك المؤلم بأن جرحك هو ميراثك الخاص ، لا يجب أن يُصبح مادة سرد سهلة لعابري المشاعر. إنه يمنح الروح السكينة اللازمة لتتخلى عن فكرة أن كل كلمة تقال يجب أن تُقابل بتعاطف. ​الصمت يصبح حضناً دافئاً ل...

عدم الرضا المُغلَّف بالطموح: احتراق القيمة الذاتية

  ​عدم الرضا المغلف بالطموح... قد لا يستطيع أحدهم التفرقة بينهما، فكلما تاقت نفسه لشيء وصَعُب عليه تحديده، وجد ضائقة في صدره وظن أن طموحه لم يتحقق، مُوصِلاً نفسه لمراحل من الكَبَد والعناء. ​لكن شتَّان بين عدم الرضا والطموح؛ فالطموح أن تسعى، والنتيجة أن ترضى مهما كانت. فإن كان مبرر عدم الرضا الدائم أنني طموح، فلن يصل الإنسان أبدًا إلى شعور الأمان في حياته، وسيبقى يعيش في دائرة مفرغة لا توصله لبرّ الأمان. ​وسيكون كل ألم صغير كقش نستخف به، فإذا تجمَّع، صار كالتلال؛ نتوه بينها ونضيع، ولا نجد أنفسنا. فهل يملأ القش النفوس؟ نعم يملؤها إن سمحنا له، وأغلبنا يسمح بذلك، فالاستهانة بالشيء هي ما توصلنا لهذا المصير. ​هنا نكون أمام خيارين: إما أن نترك القش يرهق أنفسنا، أو نحرقه. ولنفعل ذلك، لن تنجو أنفسنا من آثار الحروق؛ فستكون موجعة جداً، لكن بعدها يفرغ المكان من كل ما هو مؤذٍ. وعندما تلاحظ فراغ نفسها وهدوءها، ستشكر القدر على هذا القرار؛ فلولاه ما كانت شجاعتها لتسعفها لِتتخذه. إن هذا التطهير الذاتي هو بداية الطموح الحقيقي؛ طموح النفس للارتقاء بوعي، لا طموح التغطية على خواء داخلي. ​ولكن أحي...

الثبات الانفعالي: رعاية الغيمة في الصدر

  ​ما كان يسير في دمي وعروقي، لا بد وأن يخرج يوماً للناس. لكن كيف ومتى يخرج؟ هذه هي الحكاية. ​حكاية الغيمة الماطرة، الممتلئة بمياه عذبة، تسير في سمائها حاملة ماءها بكل رحابة صدر، غير مثقلة به، بل تحتضنه بكل ما أوتيت من حنان ورعاية، حتى لا تنهمر قطرة منه دون إرادة منها أو إدراك لماذا ومتى تنهمر. ​ولعمري، كم هما متشابهان في كثير من الأشياء؛ عيون الإنسان والغيمة. وماهيتهما هي الماء، إلا أن قطرات الغيمة تسقي أراضٍ وتلالاً، وقطرات العيون تنفث عن القلب شيئاً من الهموم. ​كم نحاول منعها من الهطول أحياناً، ولكنها تغلبنا، بل وتحرق المقلتين، فلا بد من الانصياع عندما تختار طريقها القسري ، والإذن لها لـ إكمال الطريق . ​هل علينا أن نثبت ونحن سائرون؟ ألا نكون كغيمة آمنة في سمائها، وفجأة يهطل مطرها وتغرق الدنيا، فيهرع الناس لمظلاتهم وإلى أي مأوى اتقاء منها؟ ​كيف لنا أن نقيس على شخص أنه ثابت انفعالياً ؟ أو أنه ذلك المتسرع الذي سمح لانفعالاته أن تسيطر عليه فأصبح تابعاً لها لا العكس ؟ ​المعيار ليس في المنع التام للهطول، فذاك مستحيل بل هو غير صحي وغير سليم، فكيف لعيون ترف وقلب ينبض أن يتحول ل...

العائلة العمق والبؤرة

  ​العائلة، هي ذلك الأساس المتين والبنيان الذي يُفترض أنه فولاذي برصانته وعمقه، فعمقه كعمق تجويف العين بين الحاجبين. ولكن للأسف، ليس لهذا العمق أهداب تحميه من شوائب وأخطاء، ولا حاجبان يحميانه من قطرات ماء أو شيء يصيبه بضرر. فهذا العمق لا يحميه إلا حُسن التصرف والحكمة، وهذا للأسف جلّ ما تفتقده الأُسر. فيظن الأبوان أن خطأهما مغفور، وكلامهما يمر بالأذهان كسحابة صيف باردة تعكّر الجو الحار، لكنهم للأسف لا يدركون أن أثر ما يفعلونه أدهى وأمرّ من سهام تصيب هذا العمق في مقتل. ولا يزال النزيف يمضي عبر أيام ومواقف حتى يتحول العمق إلى بؤرة ألم.  أثناء تدفق الدم الغزير المحب ليصل لوريده ويسقيه، يصاب بخثرات! ما هي إلا نقاط ما استطاعت كثافة الدماء التجاوز عنها، فتراكمت بسبب من لا يدرك معنى الإخاء، أو أبوة الأبناء، أو أمومة الدفء. أو ربما يُدرك، ولكن لا يبالي... يصعّب هذا التراكم تدفق الدماء، ليضعف قلب المحبة الرابط لهذه العائلة ​فلا تعني  العائلة دماءً متشابهة، ولا جلوداً تماثلت فيها الألوان، بل تعني أرواحاً تآلفت، وعقولاً تفكر لصالحها، وهمماً تُناشد خيرها... وإلا، فلا دماء تجمع ...

صدمة الوضوح (موقف يغير الكثير)

    ​موقف... يُغيِّر الكثير؛ قناعات، اعتقادات، وربما آمال. ​آمال تكون كمروج شاسعة يرمح بها أشخاص في خيالنا، فيجوبون المكان شرقاً وغرباً، حتى يتحول هذا الأمل إلى اعتقاد راسخ . ومَن يطعن به يكون كافراً بنا وبهم. ​ وهناك أشخاص يعيشون على هذا الأمل ويقاتلون في سبيله، ولا يعلمون أنه وهم ولا أصل له إلا بأحلامهم التي أرادت أن تتخذ هذا المخدر الوجودي لأسباب كثيرة؛ بعضها يُورث من والدين فقراء بالوعي، وبعضها يُكتسب من مجتمع تحكمه الأهواء. فكيف لعاقل أن يجد نفسه بين هذا وذاك؟ ​ولا يلبث أن يأتي موقف كـ "قطرة العين" التي يضعها طبيب العيون لفحص قعر العين واتساعها. وهنا، يرى المرء للبعد أكثر بكثير مما كان يرى من قبل. أما عن قُرب، فما ظنَّه قريباً يعود لحقيقته: غَبَاشَةٌ تُتعِبُ عينه، وليس تُقرُّها، كما كان يعتقد. ​فَشُحنةُ اليقين التي كانت تريح القلب تهتز، ويكتشف المرء أنَّ ما كان يظنه أرضاً صلبة لركض آماله، كان مجرد غباشة شفافة على عدسة الروح. ​في تلك اللحظة، يتوقف الركض في المروج؛ ليس لأنّ الساق قد كُسرت، بل لأن المكان كله انهار . يصبح الألم حقيقة مؤكدة لا مفر منها: اليقين الجدي...

القوة النفسية

​  ليست مجرد مصطلح عابر يتردد في المواقف الصعبة، بل هي السؤال الجذري الذي يحدد مسار حياتنا. ​لماذا نرى إنساناً كغصن مهزوز تنهال دموعه من كلمة أو موقف، ونرى آخر كشجرة صلبة متينة رغم تسلق المتسلقين وعواصف الأقارب والأباعد، وأحياناً طعنات جارحة؟ يظل ثابتاً في مكانه، بل وقادراً على العطاء كتلك الشجرة الثابتة... إنما هي الجذور! فجذر شجرة قوية ليس كجذر غصن هشٍّ تعوّد الاستسقاء من غيره والاتكاء عليه. فكل منا يختار ماذا يكون، دون عتب على الظروف وقهر الأيام. ​إذاً،  القوة النفسية ليست هدية إلهية مُطلقة، بل هي فنّ هندسة الذات. ​هي ليست غياب للألم، بل هي قدرة  الجهاز المناعي الروحي  على تحويل الألم إلى طاقة دافعة. هي ذلك المركز الثابت داخلنا الذي لا يهتز حتى عندما تنهار الدوائر المحيطة بنا. في هذه المقالة، سنغوص في كيفية تقوية الجذور الثلاثة التي تشكل دعائم النفس:  الوعي بالجذور (العقل) ، و مرونة الساق (الروح) ، و ثبات الأغصان (السلوك) ، وكيف نُحوّل الغصن الهش إلى شجرة قادرة على الصمود والعطاء   ​الجذر هو الجزء غير المرئي، وهو الذي يحدد قدرة الشجرة على مواجه...

الهروب من ألم النفس... والسعي نحو مرساة الروح

  ​كلنا يبحث لنفسه عن مساحة راحة ننعم بها بأمان الشعور ودفء الأيام. ولكن كيف له ذلك إن كان هناك برد قارس يسكن بين جنبيه؟ فيهرب من مكان لآخر، ومن فكرة إلى فكرة، ومن صفحة في كتاب الحياة إلى صفحة، ورغم ذلك لا تهدأ روحه. فالحقيقة هو يهرب من ألم بداخله ، ولكنه يدرك أن كل وجهة جديدة هي مجرد قناع مؤقت على وجه حقيقته. ​إن أصعب شعور هو الهروب من ألم في النفس صعب المراس. فكيف لشجرة أن تهرب من ظلها؟ أو لغيمة أن تهرب من مطرها؟ أو لضباب أن يهرب من فوضويته؟ هذه استعارة حية لـ "الأنا" التي تحاول الفرار من "الذات" . ​وكذاك الألم الذي يلحق بالنفس من مجتمع قاسٍ ، أو عائلة غير متفهمة ، أو كلمة جارحة ، أو حتى نظرة عابرة ، يتحول لذلك الخيال المقيت الذي لا يغادر صاحبه أينما ذهب. إنه ليس شيئًا ماديًا يمكن تركه خلف الجدران، بل هو مرآة مشروخة تعكس تاريخ الجرح في كل لحظة حاضرة. ​ ​ الحقيقة القاسية هي أن الهروب المستمر لا يزيل الألم، بل يمنحه قوة أكبر ليصبح رفيقًا صامتًا يسافر معنا في كل محطة. فكلما فررنا، تأكدنا من أننا ضعفاء أمامه ، ونبني حوله جدارًا من الإنكار يجعله أكثر عمقًا و...